الشيخ عبد الغني النابلسي
49
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الْآخِرَةِ التي هي باطن ذلك الظاهر هُمْ غافِلُونَ لا ينتبهون لذلك وهو ، أي ذلك الحجاب الذي على أعين الناس أصله من المقلوب كما قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] فإنه ، أي ذلك الحجاب من قولهم : قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] ، أي في غلاف وهو ، أي الغلاف الكنّ الذي ستره ، أي القلب عن إدراك الأمر الإلهي على ما هو عليه في نفسه . فهذا الوجه المذكور وأمثاله من الوجوه أيضا إذ لا حصر للأسباب يمنع العارف باللّه تعالى مع كمال استعداده من التصرف في العالم ونفوذ همته وتأثيره بالتوجه فيما يريد قال الشيخ الإمام أبو عبد اللّه بن قايد للشيخ العارف الكامل أبي السعود بن الشبلي وكلاهما من تلامذة الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي اللّه عنهم لم لا تتصرف بهمتك في المخلوقات فقال له الشيخ أبو السعود المذكور تركت الحق سبحانه يتصرف لي كما يشاء هو سبحانه فيما يشاء يريد أبو السعود بقوله ذلك قوله تعالى حال كونه آمرا نبيه الفرد الكامل صلى اللّه عليه وسلم الذي قيل فيه و لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] فاتخذه ، أي ربك تعالى : وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] يتصرف عنك في جميع أمورك ظاهرا وباطنا . فالوكيل هو المتصرف دون الموكل ولا سيما ، أي خصوصا وقد سمع ، أي أبو السعود المذكور اللّه تعالى يقول : وَأَنْفِقُوا يا أيها الناس مِمَّا ، أي من الأمر الذي جَعَلَكُمْ اللّه تعالى مُسْتَخْلَفِينَ بصيغة اسم المفعول عنه تعالى فِيهِ [ الحديد : 7 ] من جميع الأمور والأحوال في الظاهر والباطن . فعلم الشيخ أبو السعود المذكور والعارفون كلهم رضي اللّه عنهم أن الأمر الذي بيده ، أي يد كل واحد منهم ليس ملكا له وعلم أنه مستخلف فيه ، أي استخلفه فيه الحق تعالى الذي هو صاحبه ومالكه ثم قال له ، أي لذلك الإنسان الحق تعالى هذا الأمر الذي استخلفتك ، أي جعلتك خليفة عني فيه وملكتك إياه وجعلتك بحيث يمكنك أن تظهر به في الدنيا بهمة نفسك اجعلني واتخذني وكيلا عنك فيه ولا تتصرف فيه أنت واتركني أتصرف فيه وحدي عنك فامتثل الشيخ أبو السعود رضي اللّه عنه أمر اللّه تعالى له ولأمثاله بذلك فَاتَّخِذْهُ ، أي الحق تعالى وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] عنه في جميع أموره ولم يتصرف في أمر من الأمور أصلا لأجل ذلك من كمال معرفته باللّه تعالى . وقد أشار الشيخ المصنف قدس اللّه سره في « الفتوحات المكية » أن هذا الشيخ أبو السعود المذكور تلميذ العارف الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي اللّه عنه ، ولكنه أكمل من شيخه الشيخ عبد القادر الكيلاني لتركه التصرف بعد ملكه له ولم يتركه